عبد الفتاح عبد المقصود
101
في نور محمد فاطمه الزهراء
لقد كان من فضل اللَّه على هذا الأب - الجد - أن اختصّه بقلبٍ ناصعٍ كبيرٍ ، وذهنٍ متوقّدٍ منير ، وآتاه نفساً زكيةً نقيةً ؛ كنسمة الفجر في يوم نديٍّ من أيام الربيع ، وأفاء عليه إشراق الوعي وعبقرية الإدراك ، وهيّأ له رحابةً روحيةً اتّسعت لاحتواء روعة المجهول ، وأودع ضميره صدق التوسّم والاستجلاء ، وملّكه القدرة على استشعار الكثير من المجرّدات والمطلقات ، كقدرته على إبصار مظاهر الملموسات والمرئيات . وما عُرف عنه في هذا السبيل ليس بقليل ، والشواهد أعداد . * * * فيما وصفه به معاصروه كان ألصق بالطهر ، وأفعل للخير ، وأحرص على نصوع الضمير ، تنزّه عن فواحش الأعمال والأقوال ، عفّ عن نقائص بيئته التي عاشت حياتها - كفراً وعهراً وهجراً - تحت أجنحة الشياطين ، تناءى بعيداً - بقلبه وفكره - عن خبائث العقائد والعادات والتقاليد التي شكّلت شطراً غير صغير من طبائع مجتمع عربيد « 1 » ، الناس فيه أشدّ كَلَفاً « 2 » بها من كَلَفهم بالمآثر الزهر ، والمناقب الغرّ ، وما تدعوا إليه مكارم الخلق من كلّ حميد ورشيد . فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ؟ أعلى أبصارهم غشاوة ؟ أفي آذانهم وقر « 3 » ؟ أعلى قلوبهم أقفال ؟ كانوا يرون في أعرافهم تلك النكراء موائل اعتزاز ، لكأنّما امتثالهم طرقها المعوجّة كان لهم فيه الفخار كلّ الفخار ، وإقلاعهم عنها هو العار أفدح العار ! لكأنّ انقيادهم للموبقات إنّما جاء عن تلبيةٍ حتميةٍ لأمرٍ مقدّسٍ ليس إلى تحلّلهم منه سبيل !
--> ( 1 ) . العربيد : السيّء الخلق . ( 2 ) . الكَلَف والكَلافة : الولوع بالشيء والحبّ الشديد له . ( 3 ) . الوقر في الأذان : الثقل فيها وعدم قدرتها على السمع .